ابن فرحون

23

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

[ كلام المولف حول علو الرمل في الروضة الشريفة ] ومن ذلك : علو الرمل في الروضة ، ووضع بعضه على بعض ، ولقد كنت دائما أرى الشيوخ من أهل الخير ينفضون الرمل من الروضة ينسفونها نسفا بالمساحي حتى يعلو ما حول المحراب من الرخام محافظة على قرب مقام المأموم من الإمام في العلو ، وبالغوا مرة في الحفر ، فوجدوا يدا مقطوعة مكفنة مدفونة في الروضة ، كأنها قطعت ظلما ، فأراد من هي منه أن تكون بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، جهلا منه وقلة يقين باللّه ، فإن اللّه تعالى يعلم من ظلم فيكافيه ، ومن ظلم فيجازيه ، ومرة وجدوا إصبعا مدفونة تحت الشباك . وما زال العلماء والأئمة يتحرجون من كون الحضرة منخفضة انخفاضها اليوم ، فمن قائل بالكراهة ، ومن قائل بالمنع ، وقد اعتبرتها اليوم بالذراع فوجدتها ذراعا بالرمل والبساط الذي علا عليها ، وعلى ترخيمها ، وفي المذهب قولان في صحة صلاة الإمام والمأموم ، وعلى هذا يجب القول بالمنع ، وأما في أيام القاضي سراج الدين فمن بعده إلى أيام شرف الدين ، فإنهم كانوا يرفعون مقام الإمام بشيء من الرمل حتى تزول الكراهة والمنع . ولما قام في ذلك شرف الدين الأميوطي - رحمه اللّه - ، وأراد إزالة الخشب وما حوله وطمس المقام أو رفعه ، قام في وجهه الخدام وكرهوا أن يتغير مقام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، واستعانوا على القاضي بالأشراف ، فكفّ وانتقل عن المحراب ، وصار يصلي إلى الأسطوانة التي تقابل أسطوانة الوفود ، ولزمها إلى أن مات - رحمه اللّه . ثم إن الخدام رفعوا الرمل الذي كان يرتفع به المقام فنزل بزواله ، ثم جعلوا الرمل على الترخيم الذي حول المحراب ، فارتفع مقام المأموم وانخفض مقام الإمام واتضع ، وصار من الفقهاء من يدفع الكراهة بما يحصل من القرب إلى مقامه صلى اللّه عليه وسلم وموقع قدميه ، ويقول : في هذا من الفضل ما يوازي لي ما في ذلك